الآلوسي

3

تفسير الآلوسي

وانطوت على البراهين الساطعة والنصوص اللامعة في المبدأ والمعاد ، واللام للاختصاص ، وتقديم الخبر لتأكيده ، وتعريف الحمد للاستغراق أو الجنس ، والجملة إخبار عن الاستحقاقه تعالى لما تدل عليه ، وجوز أن يراد الإنشاء ، وتمام الكلام قد تقدم في الفاتحة ، وفي التفريع المذكور على ما قاله بعض الأجلة إشارة إلى أن كفرهم لا يؤثر شيئاً في ربوبيته تعالى ولا يسد طريق إحسانه ورحمته عز وجل . ومن يسد طريق العارض الهطل وإنما هم ظلموا أنفسهم ، وإجراء ما أجرى من الصفات الدالة على إنعامه تعالى عليه عز وجل كالدليل على استحقاقه تعالى الحمد واختصاصه به جل وعلا ؛ وقوله تعالى : * ( رب العالمين ) * بدل مما قبل ؛ وفي تكرير لفظ الرب تأكيد وإيذان بأن ربوبيته تعالى لكل بطريق الأصالة . وقرأ ابن محيصن برفعه على المدح بإضمار هو . * ( وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِى السَّمَاواتِ والاَْرْضِ وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . * ( وَلَهُ الكبْريَاءُ ) * فيه من الاختصاص ما في * ( لله الحمد ) * والكبرياء قال ابن الأثير : العظمة والملك ، وقال الراغب : الترفع عن الانقياد ، وقيل : هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ، وقوله تعالى : * ( في السَّمَوات وَالأَرْض ) * في موضع الحال أو متعلق - بالكبرياء - والتقييد بذلك لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيه ، والإظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء ، وفي الحديث القدسي " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار " أخرجه الإمام أحمد . ومسلم . وأبو داود . وابن ماحه . وابن أبي شيبة . والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة ، وهو ظاهر في عدم اتحاد الكبرياء والعظمة فلا تغفل * ( وَهُوَ العَزيزُ ) * الذي لا يغلب * ( الْحَكيمُ ) * في كل ما قضى وقدر ، وفي هذه الجمل إرشاد - على ما قيل - إلى أوامر جليلة كأنه قيل : له الحمد فاحمدوه تعالى وله الكبرياء فكبروه سبحانه وهو العزيز الحكيم فأطيعوه عز وجل ، وجعلها بعضهم مجازاً أو كناية عن الأوامر المذكورة والله تعالى أعلم ، هذا ولم أظفر من باب الإشارة بما يتعلق بشيء من آيات هذه السورة الكريمة يفي بمؤنة نقله غير ما يتعلق بقوله تعالى : * ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ) * ( الجاثية : 13 ) من جعله إشارة إلى وحدة الوجود ، وقد مر ما يغني عن نقله ، والله عز وجل ولي التوفيق . سورة الأحقاف أخرج ابن مردويه عن ابن عباس . وابن الزبير أنها نزلت بمكة فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء ، واستثنى بعضهم قوله تعالى : * ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ) * ( فصلت : 52 ) الآية ، فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي أنها نزلت بالمدينة في قصة إسلام عبد الله بن سلام ، وروي ذلك عن محمد بن سيرين . وفي " الدر المنثور " أخرج البخاري . ومسلم . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت * ( وشهد شاهد من بني إسرائيل ) * ( الأحقاف : 10 ) وفي نزولها فيه رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة ، وظاهر ذلك أنها مدنية لأن إسلامه فيها بل في الأخبار ما يدل على مدنيتها من وجه آخر ، وعكرمة ينكر نزولها فيه ويقول : هي مكية كما أخرج عبد بن حميد . وابن المنذر عنه . وكذا مسروق ، فقد أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ما نزلت إلا بمكة وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم ، واستثنى بعضهم * ( والذي قال لوالديه ) * ( الأحقاف : 17 ) الآيتين ، وزعم مروان